blogger-image-599820458

هزمتك يا آذار

blogger-image-599820458 يأتيني آذار محمّل بالبراعم والورود والألوان واللوز الاخضر ، يأتيني حاملاً معه كل ما أحب وأشتهي… يأتي في زمن الفصح وفي ذكرى الصلب والقيامة أسمى أعياد المسيحيين ..…. كان يفرحني كل شيء في آذار ، الى أن أثبت مقولته الشهيرة التي تليق به فعلا : الغدار.
انه آذار الغدار .. وتحديداً في اليوم الثالث والعشرين منه …. يومها تسلل الى فراشي ، وأيقظني ليلاً على وقع خطوات همجية ، سريعة ، ملؤها غضب وتحد قائلا : قومي ! قومي من نومك ، استفيقي ! يا باعثة الأمل في النفوس ….ها قد كسرتك وبت بلا أمل …..و بلا أب ..!
لم أصدقه طبعاً ، ذلك المغتال المحتال . وعدت استغرق في نومٍ عميق (ورثته عن ابي) واذا بأبي يأتيني في الحلم مرددا بصوت ملؤه فرح : لا تبك يا ابنتي ….لا تبك يا ابنتي ….. عندها فقط ! أدركت ان أحلامي اغتيلت ، وبت في اليقظة الفاصلة …..وأيقنت ان صلواتي وادعيتي الّا أرى والدي يوما ، باكيا ، شاكيا ، متألما ، ممدداً على سرير ما قبل الموت .. قد وصلت الى قلب الآب .. ان ذلك الأب الفارع الطول ، القوي البنية ، الذي يتفتت الصخر من تحت أقدامه ، ويهدر حباً وطاقة وتوهجاً ..قد إنطفأ…وأن تلك البدلة العسكرية التي كنت افتخر انها ترتدي أبي ، والتي كان هو يرتديها بكل فخر ، في وقت كان هناك كثيرون ممن يخجلون بها ، سوف اتسلمها واضمها فارغة الا من رائحته الطيبة وكرامته التي تشهد عليها كل طيّة من طيّاتها، وعزّها الذي اعتدت ان اعتز به وبها كلّما ارتداها ، وهو يمسك بيدي ليرافقني سيراً على الأقدام من بوابة المدرسة الى قلب البيت. بيت ابي الذي ورثته أنا عن أبي … البيت الذي سكنه اكثر من خمس وثلاثين عامًا ، الذي وان نطقت يوماً حيطانه ، لباحت بأسرار عائلة امسكها ربها بيد جبارة من حب ، وشجاعة تفضحها الملامح و كرامة مرسومة على جبين أبى ان ينخفض في عز زمن طأطأة الرؤوس و”أمرك سيدنا”…. وهامة أرز تربى في ظلاله …ووقع أقدام كانت ما ان همّت بالدخول،حتى ركضن البنات الثلاث الى حضن تنتصر فيه الطيبة على القوة وإن عقد الحاجبان غضباً او عقاباً. و كانت طاولة الطعام عندما نجتمع حولها تمحو الذنوب ، وتعيد الضحكة والنكتة وعليها تعلمنا جميعا الشهية على الطعام والحوار، وهكذا فعل أولادي من بعده وفعلت أنا معهم….. وبقي حاضراً في كل البيوت وعلى كافة الموائد. …والاهم حاضر في كل الصلوات والأحلام ….وكأنه لم يرحل أبداً …يزور حلم جارتنا المريضة، يزور أحلام أمي وأخواتي وبنات وأبناء أخواتي …ويزورني أنا في الحلم وفي اليقظة ، في البيت وفي العمل ، وعلى درب تحقيق الأحلام يطمئنني، فأطمئن ….بنبهني فأتنبه…لا بل أنجو…يقبلني فأتحصّن… آذار يا آذار…هزمتك! انه هنا يسكن في كل التفاصيل ، حي اكثر بكثير ممن حولي احياء…فالموت لجهنّم ولأهل جهنّم ….فمن يسكنون الأعالي لا يموتون بل يحيون في ملكوت السماوات بجانب الرب..الحي القدوس ..ومن فوق ينثرون علينا نعم الربيع وزهور آذار….الغدّار..